ابن قيم الجوزية
463
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أمرضك إلا ليشفيك ، ولا أماتك إلا ليحييك ، فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين ، فتسقط من عينه . الثالث والأربعون : أن يعلم أنه سبحانه هو الأول قبل كل شيء ، والآخر بعد كل شيء ، والمظهر لكل شيء ، والمالك لكل شيء ، وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار ، وليس للعبد أن يختار عليه ، وليس لأحد معه اختيار ، ولا يشرك في حكمه أحدا ، والعبد لم يكن شيئا مذكورا ، فهو سبحانه الذي اختار وجوده . واختار أن يكون كما قدره له وقضاه : من عافية وبلاء ، وغنى وفقر ، وعز وذل ، ونباهة وخمول ، فكما تفرد سبحانه بالخلق ، تفرد بالاختيار والتدبير - وليس للعبد شيء من ذلك - فإن الأمر كله للّه ، وقد قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] فإذا تيقن العبد أن الأمر كله للّه ، وليس له من الأمر قليل ولا كثير . لم يكن له معول - بعد ذلك - غير الرضى بمواقع الأقدار . وما يجري به من ربه الاختيار . الرابع والأربعون : أن رضى اللّه عن العبد أكبر من الجنة وما فيها . لأن الرضى صفة اللّه والجنة خلقه ، قال اللّه تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التّوبة : 72 ] بعد قوله : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) [ التّوبة : 72 ] وهذا الرضى جزاء على رضاهم عنه في الدنيا ، ولما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء ، كان سببه أفضل الأعمال . الخامس والأربعون : أن العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات : لم يتخير عليه المسائل . وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك ، وجعل ذكره في محل سؤاله ، بل يكون من سؤاله له الإعانة على ذكره ، وبلوغ رضاه ، فهذا يعطى أفضل ما يعطاه سائل ، كما جاء في الحديث : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » فإن السائلين سألوه . فأعطاهم الفضل الذي سألوه . والراضون رضوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم ، ولا يمنع الرضى سؤاله أسباب الرضى ، بل أصحابه ملحّون في سؤاله ذلك . السادس والأربعون : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يندب إلى أعلى المقامات . فإن عجز العبد عنه : حطه إلى المقام الوسط ، كما قال : « اعبد اللّه كأنك تراه » فهذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان . ثم قال : « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فحطه عند العجز عن المقام الأول إلى المقام الثاني ، وهو العلم باطلاع اللّه عليه ورؤيته له ، ومشاهدته لعبده في الملأ والخلاء ، وكذا الحديث الآخر : « إن استطعت أن تعمل للّه بالرضى مع اليقين فافعل . فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا » فرفعه إلى أعلى المقامات ، ثم رده إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى . فالأول : مقام الإحسان . والذي حطّه إليه مقام الإيمان ، وليس دون ذلك إلا مقام الخسران . السابع والأربعون : أنه صلى اللّه عليه وسلم أثنى على الراضين بمرّ القضاء بالحكم والعلم والفقه ، والقرب من درجة النبوة ، كما في حديث الوفد الذين قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ، فقال : ما علامة إيمانكم ؟ فقالوا : الصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، والرضى بمر القضاء ، والصدق في مواطن اللقاء ، وترك الشماتة بالأعداء ، فقال : حكماء علماء ، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء » .